محمد بن جعفر الكتاني
278
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
[ 1200 - السلطان أبو عنان سيدي فارس بن علي المريني ] ( ت : 759 ) ومنهم : السلطان الهمام ، العالم المشارك الإمام ، المتوكل على اللّه ؛ أبو عنان سيدي فارس ابن أبي الحسن ابن أبي سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني . ولد بفاس الجديد ، ثاني عشر ربيع الأول عام تسعة وعشرين وسبعمائة ، وبويع في حياة أبيه - لثورانه عليه بتلمسان - يوم الثلاثاء منسلخ ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبعمائة . ولما توفي والده أبو الحسن سنة اثنين وخمسين وسبعمائة ؛ خلا له الجو ، فاستقل حينئذ بالأمر ، وحل بدار الملك [ 224 ] . وكان فارسا شجاعا ؛ يقوم في الحرب مقام جنده . وكان فقيها ؛ يناظر فيه العلماء الجلة . وكان عارفا بالمنطق وأصول الدين ، وله حظ صالح من العربية والحساب ، وكان حافظا للقرآن ، عارفا بناسخه ومنسوخه ، حافظا للحديث ، عارفا برجاله ، فصيح القلم ، كاتبا بليغا ، حسن التوقيع ، شاعرا مجيدا ؛ ومن نظمه : وإذا تصدر للرئاسة خامل * جرت الأمور على الطريق الأعوج ومنه أيضا ، وقد نظر إلى رجل متصلح ، دخل عليه وهو بمقعد ملكه من المدينة البيضاء : تراهم في ظواهرهم كراما * ويخفون المكيدة والخداعا وكانت له - رحمه اللّه - آثار دينية ؛ من بناء المدارس والزوايا . . وغير ذلك ، ومدرسته العنانية بهذه الحضرة - أعني : فاسا - مشهورة ، وهي من المدارس العجيبة . ولما تم بناؤها ، ودخلها لينظر إليها ؛ أعطاه القائم عليها هناك زمام صائرها وقد جمع فيه صائرا كثيرا ، فرمى به في الوادي الجاري بها وأنشد : ليس لما قرت به العين ثمن * لا بأس بالغالي إذا قيل : حسن ! وهو الذي أمر أن يجعل في أعلى الصومعة : صاري من خشب ، ينشر فيه العلم في الأوقات التي يصلي فيها ، وفنار فيه سراج مزهر ؛ لأوقات صلاة الليل ؛ ليستدل بذلك من بعد ومن لم يسمع النداء . وأمر - أيضا - بالعلم الأزرق ، يوم الجمعة بعد الصبح ؛ ليعلم به أن ذلك اليوم يوم الجمعة . ومما قيل في الفنار المذكور : نور به علم الإيمان مرتفع * للمهتدين به للحق إرشاد يأتون من كل صوب نحوه فلهم * لديه للرشد إصدار وإيراد